يرى الكاتب مسعود م أن مصر، بعد أكثر من عقد على إحكام رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي قبضته على السلطة، تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف الاستبداد المؤسسي في حماية النخبة الحاكمة والحفاظ على نفوذها. ويشير إلى أن إدارة السيسي أعادت تشكيل المشهد السياسي تحت شعار استعادة الاستقرار الوطني عقب التحولات السياسية التي شهدتها البلاد عام 2013، عبر تكريس القمع السياسي، وتعميق الهشاشة الاقتصادية، وتقويض الحريات المدنية بصورة ممنهجة.
وفي مقال رأي نشره موقع «بولس أوف أفريكا» تناول الكاتب تداعيات السياسات الداخلية والخارجية للحكومة المصرية، معتبرًا أن القاهرة تعتمد على التضييق السياسي في الداخل والتدخل في شؤون دول الجوار لتعزيز نفوذها الإقليمي، لا سيما في القرن الأفريقي وحوض النيل، في ظل التوترات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي وطموحات إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر.
القمع السياسي وتراجع الحريات في مصر
يشير الكاتب إلى أن العملية الانتخابية في مصر باتت، بحسب تقييمه، مجرد واجهة سياسية تهدف إلى منح السلطة القائمة شرعية خارجية، في ظل تضييق نطاق المنافسة السياسية الحقيقية. ويعزو ذلك إلى القوانين الانتخابية، وهيمنة وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الدولة، والملاحقات الأمنية والقضائية التي تستهدف شخصيات المعارضة المحتملة.
ويضيف أن أحزاب المعارضة تعمل في ظل مراقبة أمنية مستمرة، بينما يواجه قادتها الاعتقال التعسفي وتجميد الأصول وحملات التشهير العلنية، الأمر الذي يحد من فرص التغيير السياسي السلمي عبر صناديق الاقتراع.
ويرى الكاتب أن وفاة الرئيس المصري الراحل محمد مرسي داخل قاعة محكمة بالقاهرة في يونيو 2019 تجسد، من وجهة نظره، إغلاق المجال الديمقراطي. ويشير إلى أن مرسي واجه العزل المطول والحرمان من الرعاية الطبية الأساسية، إلى جانب فترات طويلة من الحبس الانفرادي في سجن طرة، معتبرًا أن وفاته بعثت برسالة قاسية بشأن تعامل السلطة مع خصومها السياسيين.
ولا يقتصر التضييق، وفق المقال، على المجال السياسي، بل يمتد إلى الصحافة المستقلة ومؤسسات المجتمع المدني. ويذكر الكاتب أن مصر تحتل مراتب متقدمة عالميًا في سجن الصحفيين، مشيرًا إلى إغلاق مؤسسات إعلامية مستقلة أو حجب مواقعها الإلكترونية أو انتقال ملكيتها إلى كيانات تجارية مرتبطة بأجهزة استخباراتية.
كما يتعرض العاملون في الإعلام والمجتمع المدني، بحسب المقال، لمخاطر الاختفاء القسري والحبس الاحتياطي المطول والاتهامات التي تستند إلى تشريعات فضفاضة لمكافحة الإرهاب. ويخلص الكاتب إلى أن توظيف النظام القضائي في إنفاذ السياسات الأمنية يقوض قدرة المجتمع المصري على المساءلة السلمية وممارسة حرية التعبير وتحقيق إصلاح داخلي حقيقي.
التدخلات الإقليمية وأزمة سد النهضة الإثيوبي
يرى مسعود م أن النظام المصري يلجأ إلى سياسة خارجية تدخلية لتخفيف الضغوط الناجمة عن الأزمات الاقتصادية الداخلية وتراجع شرعيته السياسية، عبر افتعال أزمات خارجية وإبراز القوة العسكرية وصرف انتباه الرأي العام عن المشكلات المحلية.
ويشير إلى أن القاهرة تسعى إلى ترسيخ صورتها باعتبارها طرفًا لا غنى عنه في إدارة الأمن الإقليمي، بما يتيح لها الحصول على تنازلات مالية من القوى الدولية، وبناء تحالفات قائمة على المصالح المتبادلة قصيرة الأجل في القرن الأفريقي وحوض النيل.
ويضع الكاتب ملف سد النهضة الإثيوبي الكبير في صدارة دوافع التحركات المصرية. فبدلًا من تبني إطار حديث لإدارة الموارد المائية المشتركة، وتوسيع التعاون في مجال الطاقة، وتحقيق التنمية الاقتصادية المتبادلة، يرى أن القاهرة تتمسك بنهج يعتبر السيطرة على مياه النيل مسألة صفرية لا تحتمل تقاسم المكاسب.
وبعد إخفاق الجهود الدبلوماسية الثنائية في وقف استكمال السد وتشغيله، اتجهت مصر، وفق المقال، إلى ممارسة الضغوط على إثيوبيا عبر محيطها الإقليمي، من خلال إقامة ترتيبات عسكرية وسياسية مع أطراف تشمل القيادة العسكرية السودانية والصومال والنظام الإريتري. ويعتبر الكاتب أن هذه السياسة توظف الثغرات الأمنية في دول المنطقة للضغط على أديس أبابا، وتحول القرن الأفريقي من مساحة للتكامل الإقليمي إلى ساحة للمواجهات بالوكالة.
وفي السودان، يرى الكاتب أن التدخل المصري أسهم في تعقيد الجهود الرامية إلى تسوية الصراع الداخلي سلميًا. ويشير إلى أن القاهرة سعت، بعد سقوط نظام عمر البشير، إلى استعادة نفوذها التاريخي عبر دعم قوى عسكرية تتوافق مع موقفها المعارض للسياسات الإثيوبية بشأن مياه النيل، مقدمةً وجود شريك أمني موالٍ على حدودها الجنوبية على حساب الانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي.
كذلك يفسر الكاتب الاتفاقيات الدفاعية المصرية الأخيرة ونشر القوات في الصومال باعتبارهما محاولة لتحويل ترتيبات حفظ السلام إلى أدوات نفوذ جيوسياسي، بهدف الحد من طموحات إثيوبيا البحرية والإقليمية.
ويخلص المقال إلى أن الانخراط المصري في شؤون دول الجوار تحكمه اعتبارات مصلحية، مستفيدًا من نقاط الضعف لدى هذه الدول لتحقيق مكاسب آنية، حتى لو أدى ذلك إلى تصدير الاضطرابات إلى مناطق أوسع من شرق أفريقيا.
هشاشة الحكم السلطوي وضرورة الإصلاح السياسي
يعتبر الكاتب أن النموذج الذي يعتمد عليه نظام السيسي، والقائم على الجمع بين القمع الداخلي والتدخل الإقليمي، يواجه حدودًا هيكلية تهدد استمراره. ويرى أن الأنظمة السلطوية التي تعتمد على القمع بدلًا من الإنتاجية الاقتصادية والقبول الشعبي تصطدم، عاجلًا أو آجلًا، بتحديات يصعب احتواؤها.
ويشير إلى أن الأسس الاقتصادية للنظام المصري تعاني اختلالات عميقة، في ظل توجيه موارد عامة ضخمة إلى مشروعات عملاقة لا تحقق، بحسب تقييمه، عوائد إنتاجية كافية، بالتزامن مع اتساع سيطرة المؤسسة العسكرية على قطاعات تجارية واقتصادية رئيسية.
ويصف الكاتب هذا النموذج بأنه رأسمالية عسكرية تقودها الدولة، معتبرًا أنها تحد من فرص القطاع الخاص، وتفاقم أعباء الدين العام، وتدفع ملايين المصريين إلى مزيد من الفقر، بفعل تراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة.
كما يرى أن حزم الإنقاذ المالي الدولية والتدفقات الرأسمالية المؤقتة من الحلفاء الإقليميين لا تكفي لمعالجة أوجه القصور الهيكلية في اقتصاد تديره الأجهزة الأمنية وتؤثر فيه المصالح العسكرية. ومع تصاعد الضغوط المعيشية، يحذر الكاتب من أن الاعتماد على الخوف باعتباره الأداة الأساسية للسيطرة السياسية يصبح أكثر كلفة وتقلبًا.
ويضيف أن استراتيجية القاهرة تقوم على افتراض محفوف بالمخاطر، مفاده أن النظام يستطيع الحفاظ على الاستقرار الداخلي إلى أجل غير مسمى، رغم استفزاز الدول المجاورة وإقصاء الكفاءات الوطنية وتقييد الحريات.
ويحذر المقال من أن سجن جيل كامل من الناشطين والأكاديميين ورواد الأعمال يحرم مصر من رأس المال البشري اللازم لبناء اقتصاد حديث وقادر على الصمود. وفي المقابل، يتجه القرن الأفريقي، بحسب الكاتب، نحو تعزيز الترابط الاقتصادي وتطوير البنية التحتية وتوسيع التجارة الإقليمية، وهي مسارات يصعب على السياسات الإقصائية المصرية عرقلتها بصورة دائمة.
ويؤكد الكاتب أن الاستقرار الإقليمي المستدام لا يمكن أن يقوم على قمع أكثر من مئة مليون مواطن داخل مصر، أو تأجيج الانقسامات خارج حدودها. ويرى أن الأنظمة السلطوية التي ترفض إنشاء مؤسسات خاضعة للمساءلة أو السماح بإصلاح سياسي سلمي تواجه خطر الانهيار تحت وطأة تناقضاتها الداخلية.
ويختتم مسعود م مقاله بالتشديد على أن تحقيق الأمن الدائم لمصر ودول الجوار يتطلب العودة إلى الحكم الدستوري، وضمان حرية الصحافة، وتعزيز التعاون الإقليمي القائم على المصالح المشتركة، بدلًا من صناعة الأزمات الخارجية واستخدامها أداةً لتثبيت السلطة في الداخل.
https://pulseofafrica.info/opinion/265?fbclid=Iwb21leAU3GlpjbGNrBTcaSmV4dG4DYWVtAjExAHBkb2YFc3J0YwZhcHBfaWQMMzUwNjg1NTMxNzI4AAEepDi1HjpEUSxr8QycbE6LRiXbzSw6rqKmbsUse8UwqQCOVJ1jc5VbutnMRvc_aem_Xw0WCxh2niJvUDZ69Hzeog

